وا إسلاماه 11- صراع على السلطة وعلى شجر الدر

الاستماع للمقالة:

      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبابي في الله أبنائي طلاب وطالبات الصف الثاني الثانوي. يسعدني في هذه الصفحة من صفحات موقعنا الذي يهدف إلى نشر العلم بالمجان الماس لتطوير الذات والتعلم الذاتي mr-mas.com أن أقدم لكم قصة وا إسلاماه - الفصل الحادي عشر . وا إسلاماه 11- صراع على السلطة وعلى شجر الدر . ضمن منهج اللغة العربية. ترم تانى .

    وا اسلاماه 11 - صراع على السلطة وعلى شجر الدر

    والجديد والجميل في هذا الموضوع بفضل الله هو عرض نص الفصل الحادي عشر من قصه وا اسلاماه مكتوبا مع معاني الكلمات الصعبة بشكل شيق وجذاب. بحيث يتم الضغط على الكلمة وذلك للتوصل للمعنى أو المضاد أو المفرد أو الجمع وذلك للكلمة الملونة باللون الأحمر . وكذلك تم تحويل الفصل الحادي عشر 11- صراع على السلطة وعلى شجر الدر إلى سؤال وإجابة للتمكن من تحليل كل النقاط المهمة في الفصل من قصه وا إسلاماه .

    نبدأ أولا بفيديو لملخص الفصل الحادى عشر 11- صراع على السلطة وعلى شجر الدر بالرسوم المتحركة (الكارتون cartoon) . اضغط هنا على هذا الرابط لبدء تشغيل فيديو الفصل الحادي عشر من قصة  وا اسلاماه. ضمن منهج تانيه ثانوي ترم تاني .

    ****

    مقتل السلطان توران شاه :

    وصلت البشائر إلى القاهرة، فأقيمت فيها الزينات ودقت الطبول، وأعلنت الأفراح، وسر المصريون بهذا النصر العظيم. لكن السلطان الجديد الملك المعظم توران شاه لم يشكر نعمة الله عليه، ولم يعرف حق أولئك الأبطال الذين حموا بيضة الدين (مصر التي تدين بدين الإسلام) وشفوا صدور المؤمنين، ورفعوا مجد مصر عاليا على العالمين، فأخذ فى إبعاد رجال الدولة، وإطراح (إبعاد، المضاد تقريب) الأمراء والأكابر من أهل الحل والعقد (أصحاب الكلمة النافذة فى تصريف الأمور)، وأعرض (صد، وولّى) عن مماليك أبيه الذين كانوا عنده لمهماته، وقرّب جماعته الذين قدموا معه فخصهم بالمناصب والرتب، واحتجب عن الناس، وانهمك في الشراب واللهو، وبعث إلى زوجة أبيه شجر الدر - التى مهدت له الدولة، وضبطت الأمور في مغيبه، حتى سلمته مقاليد (مفاتيح، المراد مهام) الحكم - يطالبها بما عندها وما ليس عندها من الأموال والجواهر، ويتهددها ويتوعدها بالقتل، فأنف (غضب، المضاد رضى) لها صنائع (أتباع) زوجها ومماليك أبيه، فعزموا على قتله، وشجعهم على ذلك تنكر الناس له وبغضهم لحكمه. وما هى إلا أيام حتى قتل بأيدى موالى أبيه، فى سماطه الممدود بفارسكور بين سمع الناس وبصرهم، فما أجاره (أغاثه، وحماه، وأنقذه) منهم مجير.

    تولى السلطانة شجر الدر الحكم:

    جلست شجر الدر على أريكة السلطنة بإجماع أمراء المماليك الصالحية واتفاق أعيان الدولة وأهل المشورة، ونقش اسمها على سكة (حديدة لضرب النقود) النقود، ورددت منابر القاهرة ومصر: "اللهم وأدم سلطان الستر الرفيع، والحجاب المنيع، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، أم خليل المستعصمية، صاحبة الملك الصالح...".

    جلاء الفرنسيين عن دمياط:

    وكان لويس التاسع قد حمل إلى المنصورة مقيدا بقيد من حديد، فاعتقل فى دار القاضى فخر الدين إبراهيم بن لقمان، ووكل (كلف) بحفظه الطواشي صبيح المعظمي كما اعتقل أخواه: شارلس وألفونس فأبقيا مع غيرهما من كبار الأسرى! فلما استقرت الأمور للملكة شجر الدر، جرت المفاوضات بين المندوب المصري الحر وبين العاهل الفرنسي المعتقل، إلى أن تم الاتفاق بينهم على أن تسلم دمياط إلى المصريين ويخلى عن الملك ليذهب إلى بلاده، بعد ما يؤدى نصف ما عليه من الفدية.
    وخفق (تحرك، واضطرب، المضاد سكن، وهدأ) العلم المصري على أسوار دمياط، وعادت كلمة التوحيد ترن على مآذنها وشهادة الحق تجلجل في فضائها، وأفرج عن الملك الأسير بعد ما فدى نفسه بأربعمائة ألف دينار، فانطلق إلى زوجته الوالهة (المتحيرة، شديدة الحزن) بدمياط يندب لها سوء الحظ، ونكد الطالع (سوء الحظ)، وتلومه مرغريت على إلقائه بيده إلى التهلكة، فيقول لها : "اسكتى ولا تجمعى لى بين عذاب القوم ومرارة اللوم، ودعينا ننجو بأنفسنا وبمن بقى منا إلى بلادنا".
    وشهدت دمياط بين الدمع والابتسام إقلاع آخر سفينة من سفن لويس التاسع وقومه تحملهم عن البلاد التى أرقدوا (أناموا، المراد دفنوا) فى ثراها (ترابها، المراد أرضها) عشرات الألوف من أبطالهم وجنودهم، بأيدى أبنائها المصريين.

    عز الدين أيبك يتولى الأتابكية :

    وكان عز الدين أيبك قد قوى نفوذه في الدولة وعظم قدره عند الملكة شجر الدر منذ أبلى ذلك البلاء الحسن في الدفاع عن القصر السلطانى بالمنصورة يوم هجم الأعداء عليه، فردهم هو ومماليكه عن باب القصر، حتى جاء غيره من الأمراء المماليك وجنودهم فأنجدوه، وملأوا ساحة القصر بجثث المعتدين، فلم يكن بدعا (غريبا، المضاد مألوفا، ومعتادا) أن ترتضيه شجر الدر وينتخبه الأمراء المماليك ليتولى الأتابكية (رئاسة الجيش) للسلطانة، ويتقلد منصب التقدمة على العساكر، وقد كان له أيضا من غلو سنه وحنكته (تجاربه، وحكمته) وشهامته ما جعلهم يدينون له بالطاعة ويعترفون له بالسبق، على أن هذا الإجماع منهم عليه لم يكن تاما، فقد كان فيهم منافسون يرون أنفسهم أجدر منه بالرياسة، وعلى رأس هؤلاء المنافسين الأمير فارس الدين أقطاى الجمدار ومن شيعته الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، ولكنهم لم يجرءوا فى أول الأمر على إظهار الخلاف والانتقاض على ما اجتمع عليه الأكثرون. ورأوا تأجيل ذلك إلى أن تحين الفرصة الملائمة ويساعدهم الوقت.

    تنازل السلطانة شجر الدر عن الحكم :

    قامت الملكة العظيمة شجر الدر بتدبير مملكتها أحسن قيام، يعاونها فى ذلك أتابكها عز الدين أيبك وغيره من مماليك زوجها ووزرائه المحنكين وقواده العظام، ولكن ما إن استتبت (استقرت، المضاد اضطربت) لها الأمور فى الديار المصرية حيث تهيمن (تسيطر) عليها روحها فما استتب لها كذلك فيما وراءها من بلاد الشام التابعة لمصر فلم يكد يصل خبر قتل الملك المعظم توران شاه، وحلول شجرالدر محله إلى الشام، حى طمع أمراؤه وملوكه من البيت الأيوبي في الوثوب على دمشق وغيرها من البلاد التابعة لسلطان مصر، وكان أعظم هؤلاء شأنا الملك الناصر صاحب حلب، الذى جاء إلى دمشق فملكها، ولم يكتف بذلك بل أعلن أنه سينتقم من شجر الدر ويثأر لنسيبه الملك المعظم توران شاه من قتلته من الأمراء المماليك.
    وردت أنباء ذلك إلى القاهرة. فساد الاضطراب فيها وتشيع بعض الأمراء من غير المماليك الصالحية للناصر، واعتبروه الوارث الشرعي لدولة آل أيوب، وحرج (ضاق) مركز شجر الدر، وزاده حرجا أن الخليفة العباسي ببغداد لما بلغه خبر تولية شجر الدر، بعث كتابا إلى مصر ينكر فيه على الأمراء ويقول لهم : "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسير إليكم رجلا". فما وسع الملكة إلا أن تخلع نفسها وتنزل عن عرشها لأتابكها ومقدم عسكرها الأمير عز الدين أيبك، فوافقها الأمراء المماليك على اختياره، وحلفوا له ولقبوه بالملك المعز، وأركبوه إلى قلعة الجبل حتى أجلسوه على دست (عرش) الملك، وجلسوا معه على السماط.
    كان هذا الاستتباب السريع لعز الدين أيبك، واتفاق الأمراء المماليك على توليته الحكم دون تباطؤ أو معارضة راجعا إلى نفوذ شجر الدر، ثم إلى خشية الأمراء المماليك أن تضيع السلطة من أيديهم إذا قوى دعاة الملك الناصر وأشياعه بمصر ونجحوا فى ضمها تحت سلطانه، فحينئذ ينتقم الناصر منهم ولا يبقى عليهم بحال، فوحد الخطر كلمتهم، وضم صفوفهم، وأعرضوا عما بين بعضهم وبعض من المناقشات والمشاحنات (الأحقاد، والبغضاء، والعداوات)، وأسرعوا بموافقة الملكة على اختيار عز الدين.

    مؤامرات أقطاى ضد أيبك:

    ولكنهم لم يكادوا يتخلصون من دعاة الناصر وأشياعه فى مصر بتشتيت شملهم والقضاء عليهم، ويشعرون بزوال الخطر عنهم، ورجوع أمرهم كما كان، حتى دبت عقارب البغضاء بينهم، وعاد التنافس القديم بينهم من جديد وتولى كبيرهم فارس الدين أقطاى الحملة على عز الدين أيبك، وإذ كان لا يجرؤ على طلب الأمر لنفسه رأى أن يكتفى بإفساد الأمر على قرينه، فدعا الناس إلى تولية أمير من البيت الأيوبي ليجتمع الكل عليه، ويطيعه الملوك من أهله، وتبطل حجة الناصر صلاح الدين فى أحقيته بملك مصر ووراثة دولة أيوب، فما سمع الناس والأمراء المماليك بهذا الرأي حتى مالوا إليه لسداده وقوة برهانه، فأيدوه وجهروا باستحسانه، وأخذ العامة فى الشوارع يقولون : "ما نبغى مملوكا يتولى علينا، بل نريد سلطانا من آل أيوب".
    ثم عقد الأمراء المماليك مجلسا قرروا فيه أن يقيموا صبيا من بنى أيوب يكون له اسم الملك ويكونون هم الذين يديرون الملك ويأكلون الدنيا باسمه، فاختاروا الملك الأشرف موسى ابن الملك مسعود، وله من العمر ست سنين، فأقاموه سلطانا شريكا للملك عز الدين أيبك، على أن يقوم عز الدين أيبك بتدبير الدولة، وقرروا أن يبرز اسمهما على التوقيعات والمراسيم، وينقش على النقود، وأن يخطب لهما على المنابر.
    وركب الملكان الأشرف والمعز تتقدمهما الأعلام السلطانية، وشقا القاهرة بين الجماهير المحتشدة لرؤيتهما، والمعز يحجب الأشرف، راكبا أمامه، بعصا فى يده، والأمراء تتناوب فى حمل الغاشية، واحدا بعد واحد.
    أما فارس الدين أقطاى فقد رأى أنه لم يصنع شيئا، إذ بقى عز الدين أيبك فى سلطانه وقوته، ولم يفقد من نفوذه شيئا، وكانت الأمور كلها فى يده، وليس للملك الأشرف إلا الاسم على أن نفسه قد طابت قليلا لأن عزالدين أيبك لم يعد له الحق فى الاستبداد والاستئثار (الاختصاص) دون سائر الأمراء المماليك، كما لو كان هو السلطان، فبقى بذلك لأقطاى ولغيره من الأمراء حق الاعتراض على سياسته، والتدخل في شئون ملكه، على أن يؤجل ما وراء ذلك من مطامعه فى التغلب عليه إلى حين آخر.

    محاولة أيبك صرف أقطاى عنه:

    ولم يخف على عز الدين أيبك، ما يضمره أقطاى له، وما ينويه من التغلب عليه، فأراد أن يشغله عن ذلك، ويصرفه عن التدبير له فجعل إليه قيادة المماليك البحرية، وسيره لقتال الملك الناصر صلاح الدين، صاحب دمشق الذى كان قد جمع الجموع لغزو مصر، فسار أقطاى إلى غزة بألفى فارس، وقاتل جنود الناصر وهزمهم وعاد إلى مصر ظافرا، ولسان حاله يقول لعز الدين أيبك: "هأنذا عدت إليك أقوى مما كنت".

    شجر الدر لا تزال القوة الحاكمة للبلاد :

    ولكن عز الدين أيبك باستناده إلى ركن قوي من شجر الدر- وإن اعتزلت الملك - لا تزال هى القوة المصرفة من وراء الستر، وكان نفوذها ماضيا على كل الأمراء، ترفع من تشاء منهم، وتضع من تشاء، وكانوا جميعا يعرفون ميلها إلى عز الدين أيبك وثقتها به، فلم يكونوا ليعارضوها فى تقريبه واصطفائه خوفا من غضبها، وكانوا يعرفون أيضا أن شجر الدر تحب السلطة، وتعشق النفوذ والسيطرة ولم تعتزل الملك إلا مغلوبة على أمرها، وكانت ترى في نفسها الجدارة للحكم، والكفاية لتصريف الأمور وأنها ما قعد بها عن الاستمرار في الجلوس على أريكة السلطنة إلا كونها أنثى.
    فرأت أن تتغلب على قصورها (نقصها) هذا الطبيعى بأن تجعل على المملكة رجلا من صنائعها تثق بإخلاصه لها، وتطمئن إلى أنه لا ينتقض (ينقلب) عليها فيستأثر (يختص، ويحوز، المضاد يشارك) بالأمر دونها فاختارت عز الدين أيبك؛ لأنه كان أطوع الأمراء لها، وأخلصهم لزوجها، وليس له من الأتباع والمماليك ما قد يطمعه فى الخروج على طاعتها، والتخلص من سيطرتها.

    حرص شجر الدر على كسب ود الأمراء :

    على أنها لم تشأ أن تطمئن إليه كل الاطمئنان، وتذهب في الثقة به إلى أبعد مما تقتضيه حاجتها للاستئثار به، فلم تقصر كل عطفها عليه بل جعلت للآخرين نصيبا من برها وعنايتها، تضمن به ودهم لها ودفاعهم عن حقها إذا بطر (أنكر، واستخف، المضاد أقر واعترف) عز الدين أيبك نعمتها، وحاول استلاب (اغتصاب) النفوذ من يدها، فكانت تطيب نفوسهم وتشعرهم أنها لم تختر عز الدين أيبك لكونه أفضل فى عينها، أو أدنى إلى قلبها منهم، وإنما أرادت بذلك أن تحفظ سلطتهم، وتصون مقامهم؛ لأنه ليس له من القوة والشراسة وحب الاستبداد ما يخشى عليهم منه.

    حب متبادل بين شجر الدر وأيبك:

    وكان عزالدين أيبك يعلم هذا منها، فكان يتقى إغضابها، ويبالغ فى استرضائها، ولا يقطع أمرا دونها، ولم يكن عزوفا (منصرفا، وزاهدا) عن الاستبداد بالأمر والاستقلال بالسلطة - وإن كان يتظاهر بذلك عندها وعند الناس - ولكنه أحبها ومال إليها قلبه، فلم يجد حرجا (ضيقا) فى احتمال سيادتها عليه، وتحكمها فيه، ولم يشعر بغضاضة (نقص، وذلة، وعيب) فى خضوعه لها، وكان عفيفا حييا (خجولا) لا يكاد يرفع إليها طرفه (عينه)، وإذا حدثها حدثها بوقار واحتشام، كما كان يفعل لو أن زوجها السلطان كان حيا بعد، وقد برّح (اشتد) به حبها، وما منعه من التصريح لها بما فى نفسه إلا أنه كان يهابها أن يقول لها شيئا كان يراه مستحيلا فى حياة سيده. ولم يصعب على شجر الدر أن تتبين حبه الخفي لها، فقد شعرت به، فأضمرت (أخفت، المضاد أظهرت، وأعلنت) له مثله ولكنها كانت تغالب هذا الحب وتدافعه، خشية أن تستسلم له فيحملها هذا الاستسلام على التضحية بما جبلت (طبعت، وفطرت) عليه من شهوة الحكم، وحب السلطان، فأرادت أن تحتفظ بإرادتها حرة، لا يجد منها حب ولا تجور (تتعدى) عليها نزوة (وثبة) من نزوات القلب.
    نعم إنها كانت تعلم أن لا بد لها من التزوج بأحد الأمراء يوما ما؛ لأنها لم تبلغ من الكبر بحيث ينقطع أملها في الزواج، وتخلد نفسها إلى التأيم (فقدان الزوج). ولكن من ذا يضمن لها إذا هى اصطفت عز الدين أيبك بعلا (زوجا) يصون لها ما تحب من السيطرة، ولا ينازعها حقها فى السيادة - من ذا يضمن لها حينئذ أن يبقى لعز الدين أيبك ملكه، وألا ينتزعه من يده أحد من منافسيه الأقوياء فتخسر بسقوطه كل شىء ؟ ولم يزل التنافس بين الأمراء قائما على قدم وساق، فلقتريث حنى ترى لمن تكون الغلبة القاهرة، فتمد إليه يدها إذا مد إليها يده - وهى موقنة أنه سيفعل - فأى منهم لا يتمنى أن يحظى بها، ويسعد بحبها؟.

    قطز يعمل على تثبيت مركز أيبك فى الحكم :

    وكان سيف الدين قطز شديد الإخلاص لأستاذه عز الدين أيبك - لثقة أستاذه به، واعتماده عليه فى المهمات، ولأن أستاذه كان مثله ديِّنا عفيفا، فأحبه لدينه وعفته، فكان لا يألو (يقصر) جهدا فى توطيد (تثبيت، وتقوية) مركز عزالدين أيبك بما يجمع حوله من الأتباع، وبما يستميل إليه من القلوب، وقد عرف أن لأستاذه منافسين أقوياء، وأن عيونهم لا تنام عنه، وأنهم يتربصون به الدوائر (ينتظرون له المصائب)؛ ليثبوا عليه ويحكموا مكانه، وهذا فارس الدين أقطاى يفوق أستاذه فى كثرة الخشداشية والأشياع وهو مغامر بطل، ومن حوله مغامرون أبطال، ولو لم يكن فيهم إلا بيبرس لكفى، وقد رأى قطز أن أستاذه يستمد نفوذه من شجر الدر، وأن شجر الدر لا يمكن الثقة بها، ولا الركون إليها، وهؤلاء الأمراء يتقربون إليها ولا يبعد أن ينجح أحدهم فى استمالة قلبها إليه، فتميل عن أستاذه عز الدين أيبك فيتم بذلك سقوطه.

    قطز يشير على أيبك بالزواج من شجر الدر:

    وقد هداه تفكيره إلى أن الضمان الوحيد لبقاء أستاذه في الحكم هو أن يتزوج عز الدين أيبك شجر الدر، وكان قد عرف ميله إليها وغرامه بها، وإن لم يخبره أستاذه بذلك، فأراد أن يشير على أستاذه بطلب يدها، فدخل عليه يوما وقال له : "إن سيدى كثير الاختلاف إلى (التردد على) السلطانة، وإن الناس يقولون إنه سيتزوجها، ومملوكه الوفي يعتب عليه أن يجهل ما يعلمه الناس عن سيده".
    فنظر إليه عز الدين أيبك باهتمام كأنما لذ له أن يسمع مثل هذا الحديث، وقال له : "لا تصدق ما يقول الناس فليس ذلك بصحيح". قال قطز: "فسيقولون ما هو أعظم من هذا. مما لا يطيق المملوك سماعه عن أستاذه العفيف"، ففهم عز الدين أيبك ما أراد، وقال له : "ما شأننا بهم، دعهم يقولوا ما يشاءون". فقال قطز: "صدقت يا سيدي، لندعهم يقولون ما يشاءون، ليس لنا بهم شأن، ولكن دعنا أيضا نفعل ما نشاء، ليس لهم بنا شأن، إن سيدى يرغب فيها، فلماذا لا يطلب يدها ؟ ". قال عز الدين أيبك : " من قال لك إننى أرغب فيها ؟" .
    فأجابه قطز: "إذا لم يشعر المملوك بهموم سيده لم يكن أهلا لثقته". فرأى عز الدين أيبك أن لا فائدة من إخفاء الحقيقة عن مملوكه، وشعر بالارتياح، إذ رأى أن ما كان يقوله فى سره كحلم من الأحلام، قد أصبح حقيقة يتحدث عنها بين يديه : فقال له : "ومن يضمن لى أنها ترضاني ؟ "فقال له قطز: "وهل تجد بين يديها من هو أفضل منك ؟ ". - إنى مملوك زوجها يا قطز. ـ وهل كانت إلا جارية مملوكة ؟ ومن من ملوك ينى أيوب يرضى الأمراء المماليك أن يتزوجها ؟ اللهم إلا أن يكون الملك الأشرف، فهل تتزوج هذا الصبي ؟! فضحك عز الدين أيبك عند سماعه هذا، ومضى قطز يقول: "إنه لا يتزوجها إلا أنت أو أقطاى، وقد سمعت أنه قد خاطبها فى ذلك".
    فاختفى من وجه عزالدين أيبك الضحك، وظهر مكانه التقطيب (العبوس، المضاد البشاشة) والاهتمام، وسأل مملوكه : "ممن سمعت هذا ؟". - سمعته من بيبرس، وقال لى أشياء أخرى عن نفسه تأبى الصداقة التى بينى وبينه أن أفشيها (أذيعها، المضاد أسرها، وأكتمها). فسكت عز الدين أيبك طويلا، ثم قال : "ولكنى لا أجرؤ على مخاطبة السلطانة في ذلك، وقد حاولت ذلك غير مرة فيعقد (يمنع) الحياء لسانى فى كل مرة". - إذا شاء سيدى أعارنى قلبه وأعرته لسانى. - تريد أن أبعثك إليها ؟ - نعم، فأبوح لها بذات صدرك (خفاياه، وأسراره). - ماذا أنت قائل لها ؟ - دع هذا للموقف يمل عليّ ما يقتضيه، وأيقن أن لسانى لن يعثر (يسقط، المراد ينطق) فى شيء لا يرضيك. فنظر إليه عز الدين أيبك، ضاحكا، وقال مداعبا: "قد عرفتك يا قطز، إنما تريد أن ترى وصيفتها جلنارا".
    فابتسم قطز وقال : "ليس هذا بسر عليك، وما أريد أن أكذبك فأنكر أنى أطمع منها في نظرة، لا أحسب سيدى يستكثرها علي جزاء لى على الخدمة، أه إنى لم ألقها إلا مرة واحدة، يوم دعتنى الملكة ثالث يوم لارتقائها أريكة السلطنة، فأثنت على صنيعى يوم قتلت الكند دارتوا ثم قالت لى : أتحب هذه الوصيفة ؟ ... فنظرت فإذا جلنار واقفة دونى، فأذهلنى ذلك عن جوابها، فما راعتنى إلا صوت الملكة تقول : وتريد أن أزوجكها ؟ قلت: لا أرفض نعمة السلطانة، قالت: متى تريد ذلك ؟ فقلت خير البر عاجله. فابتسمت السلطانة وقالت: لا، حتى ينقضى الحزن على السلطان. أه يا سيدى لا أدرى متى ينقضى هذا الحزن على السلطان".
    فسكت عز الدين هنيهة يتعجب من حماسة مملوكه الشاب وطلاقة لسانه في الحديث، ثم قال له وهو يبتسم: "ينقضى هذا الحزن على السلطان حينما تتزوج السلطانة ". فقال قطز: "أجل يا سيدى فتزوجها من أجلى أنا إن لم يكن من أجلك. وخلصنى من هذا الحزن الطويل". فأغرب (بالغ) عز الدين في الضحك، وقال له : "إذن فأنا الذى أستحق الجزاء منك".

    أقطاى يعرض الزواج على شجر الدر:

    ولم يكن ما سمعه قطز من صديقه بيبرس حديثا مختلقا، فقد ذهب فارس الدين أقطاى حقا إلى شجر الدر وخاطبها فى الزواج وكان جريئا فما عقد الحياء لسانه وما عاقته (منعته) هيبة الملكة عن الإفضاء (البوح، والتصريح، المضاد الكتمان) إليها برغبته فى يدها وقد فوجئت شجر الدر بهذا الطلب الصريح الجرىء، ولكنها ملكت أعصابها، وقالت له بهدوء: إنها لا ترد طلبه، ولكنها لا تريد أن تفكر في الزواج، حتى ينتهي أمر الملك الناصر صاحب دمشق، وتأمن على مصر وعلى نفسها، من غزوه وتهديده، فاقتنع منها أقطاى بهذا الجواب، وحسب ذلك وعدا منها بالقبول فاطمأن قلبه، وجعل همه القضاء على الناصر وجنوده.

    قطز رسول من أيبك إلى شجر الدر:

    ولما ذهب قطز رسولا من أستاذه إلى شجر الدر لم يشأ أن يصرح لها برغبة سيده في زواجها، ولكنه عرض (لمح) لها بذلك تعريضا لطيفا، فكان مما قاله لها : "مولاتي السلطانة. إن أستاذى بعثنى إليك في أمرين : أحدهما أن تنجزى (تحققى، وتنفذى) وعدك لمملوكه بالزواج من وصيفتك، والأخر أنه إذ يعلم أنك لا تحبين فراق وصيفتك، وهو لا يقدر على فراقي، فإنه يتوسل إليك أن تسمحي لنا أنا وهى، بأن نعيش فى خدمتكما معا".
    فسكتت الملكة هنيهة تفكر فيما قال، ثم سألته في صوت هادئ رزين : "أى هذين الأمرين أحب إلى أستاذك أن أقضيه ؟ " فطرب قطز إذ أدرك أن الملكة فهمت تلميحه، وأرادت أن تستوضحه فحوى (مضمون) كلامه لتستوثق من صواب ما فهمت، فبدرها قائلا : "الأمر الثانى يا مولاتى السلطانة". فقالت له الملكة : "كيف عرفت ذلك ؟". فأجابها قائلا : "لأن الأمر الثانى يتضمن الأمرين معا". فتورد وجه الملكة خجلا، وصفقت بيدها، فأتى لها بماء فى كوب من الذهب فشربت منه ثم التفتت إلى قطز وقد سكن ما بها، وعادت إلى هيئتها الأولى، وقالت له : "ارجع إلى أستاذك فقل له : إنى لا أستطيع أن أقيم عرسا وجنود الناصر على أبواب مصر".
    فقال لها قطز: "يا مولاتى السلطانة، أحسب أن فى هذا ظلما لى وإخلافا لوعدى". فاستغربت الملكة ببصرها، وهمست تقول: "لا خوف على عز الدين وهذا المملوك عنده". وفهم عز الدين مما بلغه قطز أن شجر الدر تعده بقبول الطلب بشرط أن يهزم الناصر وجنوده، ولم يكتف مملوكه بأن ينقل لأستاذه كلام الملكة، بل أخذ يشرح له ما استنبطه من سرها، وما قرأه على أسارير (ملامح، ومحاسن) وجهها، وفسر ذلك بأنها تحب أستاذه، لا شك فى ذلك عنده. وأخذ عز الدين يشككه في ذلك، فيقول له قطز: "ألم أتبين حبك لها قبل أن تخبرنى به؟" . فيقول له عز الدين: " بلى"، فيقول قطز لأستاذه: "فقد تبينت حبها لك من حيث تبينت حبك لها".

    انتصار أيبك على الملك الناصر:

    فعزم الملك عز الدين أيبك أن يسير بنفسه لملاقاة الناصر وجنوده، وألا يكتفى فى ذلك بتسيير قواده؛ لئلا ينفرد دونه فارس الدين أقطاى بظفر هذا اليوم العصيب (الشديد). وكان الملك الناصر قد حشد الجنود لأخذ مصر من أيدى المماليك، وانضم تحت لوائه عصبة (جماعة) من ملولك بنى أيوب بالشام أشهرهم الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق السابق. فسارإليه عز الدين بعساكره، واستصحب معه كبار قواده ولقى جموع الناصر بالرمل بين الخشبيّ والعباسية، فدارت بين الفريقين معركة هائلة، كانت الدائرة فى بادئ الأمر على الجنود المصريين، فانهزموا حتى وصل بعضهم إلى القاهرة فى غد يوم الوقعة، وكان يوم الجمعة، فما شك الناس فى أن الأمر تم للملك الناصر، وخطب له فى جوامع البلاد كلها، إلا جامع القاهرة حيث كان يؤم الناس فيه الشيخ ابن عبدالسلام، فما انقضت صلاة الجمعة حتى وردت البشائر بهزيمة الناصر وفراره إلى دمشق، وانتصار الملك المعز، فزينت البلاد لمقدمه ظافرا ومعه الأسرى من الملوك، وفيهم الملك الصالح إسماعيل، فلما مر الموكب بقبر الملك الصالح أيوب، أحدق (التف، وأحاط) المماليك البحرية بالصالح إسماعيل، وجعلوا يصيحون: "يا مولانا، أين عينك ترى عدوك إسماعيل ؟".
    ولما دخل المعز إلى القلعة تلقاه السلطان الصغير الملك الأشرف موسى وهنأه بالظفر فصاح فارس الدين أقطاى قائلا للملك الأشرف: "كل ما حصل إنما حصل بسعادتك، وما سعينا إلا فى تقرير ملكك"، ولسان حاله يقول للملك المعز: "إياك أعنى واسمعى يا جارة".

    قطز يحرض استاذه على قتل الصالح إسماعيل:

    واهتم قطز بأمر الملك الصالح إسماعيل السجين بالقلعة، وتذكر خيانته لله ولرسوله - أيام كان ملكا على دمشق - وبيعه بلاد المسلمين لأعداء الله الصليبيين، وما كان من اضطهاده لشيخه الشيخ ابن عبدالسلام وأنصاره المجاهدين، فأشار على أستاذه المعز بقتله، فلما رأى تردده فى ذلك استخرج له فتوى من الشيخ ابن عبد السلام باستحقاق هذا الملك الخائن للقتل، فأمر به المعز فقتل خنقا، ولقى جزاء خيانته لدينه ووطنه.

    بيبرس يعدد فضائل أقطاى أمام شجر الدر :

    وأخذ فارس الدين أقطاى يستنجز شجر الدر وعدها، فكان يبعث إليها ركن الدين بيبرس رسولا من قبله، فتتلقاه الملكة بالترحيب، وتحسن الإصغاء إلى حديثه وهو يعدد لها مناقب (أخلاق، وخصال حميدة) صاحبه وشجاعته وفروسيته وقوة ناصره وكثرة أتباعه، ويصف لها وقائعه وبلاءه فى المعارك التى شهدها وأثره فى إحراز النصر لمصر فى كل غارة تشن عليها، فينطلق لسان بيبرس فى وصف ذلك انطلاقا عجيبا، ويصوره تصويرا قويا يأخذ بمجامع قلب الملكة، ويستولى على مشاعرها حتى يخيل إليها أنها تسمع صليل السيوف، وقعقعة الرماح، وحفيف السهام، وصهيل الخيل، وصيحات الأبطال، وتشهد الصفوف تزحف، والصفوف تنهار، والفرسان تكر والأعداء تنهزم وتفر، وترى الناس أقطاى كالأسد الهائج يقدم ولا يحجم (لا يتقهقر)، والجواد يتوثب به فيعلو حينا وينزل به حينا، والسيف فى يمينه، والأبطال تخر صرعى عن يمينه وشماله.
    لكن بيبرس قلما يصف لها حب صاحبه وغرامه بها، وإذا تعرض لذلك ففى جمل لا تخرج من القلب فلا تصل إلى القلب، وأنّى (كيف) لبيبرس أن يصف شيئا لا يعرفه ولا يحس به ؟ وعلام يعنّى (يتعب) نفسه في صوغ كلمات لا تطرب لها شجر الدر كما تطرب لحديثه المتدفق الممتع عن بطولة صاحبه وشجاعته فى ميادين القتال ؟.

    قطز يحدث شجر الدر عن مشاعر أستاذه :

    أما قطز فإنه لا يعدد لشجر الدر ما تعلم من مناقب أستاذه وخلاله (صفاته)، بل يجزّئ (يكتفى) فى ذلك بالإشارة إلى دينه وعفته، وصدقه وأمانته، وإخلاصه ووفائه، ثم يفيض في شرح حبه وبث غرامه، ويصور لها خطرات (ما يخطر فى القلب، المراد مشاعر) نفسه، وخلجات (اضطرابات) ضميره، ويسمعها وجيب (خفقان) قلبه وحنين فؤاده، واصفا فى خلال ذلك الفينة بعد الفينة صورتها في عينه جميلة رائعة، نقية طاهرة، جامعة بين محاسن الخَلق ومكارم الخُلق، وكان قطز إذا ما أخذ فى هذا الحديث نسى أنه ينوب عن أستاذه ويقول على لسانه واستحضر حبيبته جلنار كأنها جالسة أمامه حيث تجلس شجر الدر من أريكتها، وكأنه يبثها ما فى قلبه من لواعج (حرقة، وشدة) الخب ومرارة الشكوى ورقة الحنين.
    فكانت كلماته تقع من الملكة مواقع الماء من ذى الغلة (شدة العطش) الصادى (العطشان)، فما تملك الملكة نفسها أن تتنهد مسارقة من حين إلى حين. ولولا أنفتها (عزتها، وكرامتها، المضاد هوانها) أن يظهر عليها الضعف أمام المملوك الرسول، وقدرتها على امتلاك عواطفها والاحتفاظ بهدوئها لأرسلت دموعها، وعلا صوتها بالنحيب.

    جواب الملكة لكلا الرسولين:

    وكان جواب الملكة العظيمة لكلا الرسولين: أن خطر الناصر على مصر لا يزال قائما، وأنها لن تفكر في الزواج حتى يزول، فجعل أقطاى يقود الحملة إثر الحملة لقتال الناصر وأشياعه بالشام ابتغاء مرضاة شجر الدر، ويغار عز الدين من أن ينفرد خصمه بشرف الانتصار دونه، فيسير أحيانا بنفسه لقتال الناصر، وينيب مملوكه الأمين على البلاد، حتى تقرر الصلح بينه وبين الناصر على أن يكون للمصريين الحكم إلى الأردن داخلا فى ذلك غزة والقدس ونابلس والساحل كله، وللناصر ما وراء ذلك.
    فلم يبق لدى شجر الدر ما تعلل به من أمر الناصر دون الزواج، ولكنها لم تشأ أن تتعجل الفصل فى هذا الأمر العظيم الذى يقوم عليه مستقبلها الغامض، فلم تعدم معاذير (حجج) أخرى تستأجل بها البطلين المتنافسين، وظلت توازن بينهما أيهما تمنحه رضاها وتأمنه على مصيرها، ونظرت فوجدت أمامها رجلين : أحدهما يحبها ويخضع لها أكثر من صاجبه والأخر تعجب به لقوته وبطولته أكثر من أخيه، فمال قلبها إلى الأول.
    ولكنها لم تشأ أن تقطع بقبول عز الدين أيبك، حتى ترى ما يكون من أمره إذا نفد صبر فارس الدين أقطاى فعزم على مواثبته (منازلته، أو قتاله) جهارا، فرأت أن تعمل على تأريث (إشعال) نار الخصام بينهما فتستعجل بذلك يوم الفصل، فقالت لرسول عز الدين أيبك لما جاءها: "قل لأستاذك إنى لا أقبل أن أتزوج نصف ملك، فإذا صار ملكا تزوجته".

    عزل الأشرف واستقلال أيبك بالحكم:

    ففهم عزالدين أيبك أنها تحرضه على عزل السلطان الصغير الملك الأشرف، والاستقلال بالملك دونه، وكان قد فكر زمنا فى ذلك إذ رأى أن أركان ملكه لا تثبت بدونه؛ لأن الأمراء المماليك وخصمه أقطاى خاصة يتخذون حق السلطان الصغير سببا يعترضون به على سلطته، ويتداخلون به فى شئونه، فلما وجد شجر الدر تقترح عليه ذلك، صدع (نفذ، واستجاب بأمرها) وتوكل على الله.
    وما هى إلا أيام حتى انفرد الملك المعز بملك مصر، وأزيل اسم الملك الأشرف من الخطبة وقبض عليه فسجن بالقلعة، والملك الصغير لا يدرى لماذا أجلسوه على العرش، ثم لماذا أودعوه السجن، وهو لم يأت عملا استحق به العرش فى الأول، ولم يقترف (يرتكب) جرما استحق به السجن فى الأخر.

    اقطاى ينشر الاضطراب فى البلاد:

    وكبر على فارس الدين أقطاى ما فعل الملك المعز، وأيقن أن قد آن أوان الجد فى منازلة خصمه العتيد، فجمع إليه أشياعه وأتباعه واستعد للوثوب ولكنه لم يشأ أن يستعجل الأمر، ويثب فى وضح النهار؛ لئلا يثير بذلك خوف شجر الدر منه فتتقى شره بتحريض سائر الأمراء المماليك عليه - وكلمتها مسموعة عندهم، ولا يجرؤ أحد منهم على مخالفتها - فيبوء (يرجع) بالخيبة وينتصر خصمه عليه، لا سيما وهو لم ييأس بعد من اكتساب رضاها إذ ذاك، ولم تقطع أمله فى الوفاء بما وعدته به، فهذا رسوله بيبرس لا يزال يتردد، فتلقاه بما يسره من الوعود، ويفهم من ذلك أن الملكة لا تمد يدها إلا إلى الغالب.
    فقد عزم أقطاى على أن يكيد للملك المعز، بنشر الاضطراب فى البدد، حتى يظهر بذلك عجز الملك المعز عن القبض على زمام الحكم، وحينئذ تتلفت البلاد فلا تجد غير أقطاى. فأوعز (أمر المراد أشار) أقطاى إلى خشداشيته من المماليك البحرية وأتباعهم فعاثوا (أفسدوا، المراد نشروا) فى الأرض فسادا، واستطالوا (تطاولوا، واعتدوا) على الناس، فجعلوا يأخذون أموال العامة ونساءهم وأولادهم بأيديهم فلا يقدر أحد على منعهم، حتى بلغ من بغيهم وفسادهم أن كانوا يدخلون الحمامات، يأخذون النساء منها غصبا، فإذا قيل لأقطاى في ذلك قال : "لا قدرة لى عليهم، فدعوا الملك المعز يكفهم عن البغى (الظلم، المضاد العدل) فى البلاد !!" .
    أما الملك المعز فقد حاول في أول الأمر أن يسترضى أقطاى، فأغدق (أكثر العطاء، المضاد بخل) عليه الأموال، وأقطعه ثغر الإسكندرية، وكتب له منشورا بذلك طمعا فى أن يكف (يمتنع، ويتوقف، المضاد يستمر، ويواصل) شره عنه وشر أتباعه. ولكن أقطاى عد هذا ضعفا من جانب المعز، فزاد طمعه فيه، وقوى أمله في الانتصار عليه.

    زفاف الملكة شجر الدر إلى الملك المعز :

    ونظرت شجر الدر إلى ما انتهت إليه الأمور في الصراع بين البطلين المتنافسين فيها، وفى عرش البلاد فأدركت بحكمتها ودهائها أن السلاح الذى استعمله أقطاى سيرتد فى نحره يوما ما فيقضى عليه؛ لأن الناس قد ضجوا من فساد أتباعه وأخذوا يجأرون (يضجون، ويرفعون أصواتهم) بالشكوى منه، فبتت (قطعت) فى أمرها، وأعلنت الملك المعز بعزمها على التزوج به، ولم تشأ أن تتباطأ فى ذلك فعجلت به.
    وما راع الناس إلا زفاف الملكة شجر الدر إلى الملك المعز، وإقامة الزينات والأفراح فى القلعة والقاهرة وسائر المملكة المصرية، فدقت الطبول، ونشرت الأعلام، وقدمت وفود الرجال والنساء من سائر البلاد يهنئون الملكين العروسين على زواجهما السعيد.

    انتقام أقطاى من أيبك وشجر الدر:

    وأُسقط فى يد أقطاى (ندم، وتحير)، إذ رأى أمله ينهار أمامه، وأدرك أن شجر الدر كانت تخادعه وتمنيه بالباطل، فاضطرب قلبه حقدا عليها، ونوى أن ينتقم منها، ولو فقد في سبيل ذلك رأسه الذى على عنقه، فجمع أصحابه وأتباعه، وهدد بهم غيرهم من المماليك البحرية؛ لكى ينضموا إليه، ويبسط عليهم نفوذه وجهر بمعارضة أوامر الملك المعز، واستبد بتدبير الأموردونه، ووضع مقاليد السياسة فى أيدى أتباعه، فلم يبق للملك المعز معهم أمر ولا نهي، ولا حل ولا عقد، وعاد لا يسمع أحد منهم له قولا، فإذا رسم لأحد منهم بشيء، أخذ أضعاف ما رسم له. وإن أمر لأحد من غيرهم بشىء، لم يمكن من إعطائه ما أمر به، واجتمع الكل على باب فارس الدين.
    وصارت كتب الملك الناصر وغيره إنما ترد إليه، ولا يقدر أحد أن يفتح كتابا أو يرد عليه، أو يبرم (ينفذ) أمرا، أو يتكلم بشيء إلا بحضوره. وهذا عقابه للملك المعز، فأين عقابه للملكة شجر الدر؟ وأين انتقامه منها ؟ إن عقابها لا يتم إلا بإنزالها من قلعة الجبل، لتحل محلها زوجة له من بنات الملوك. وقد أحكم تدبيره لهذا الأمر من قبل فما راع الناس إلا النبأ العظيم بأن الأمير فارس الدين أقطاى قد صاهر الملك المظفر، صاحب حماة، وأن ابنته قد حملت إلى دمشق فى موكب عظيم لإحضارها إلى مصر حيث تزف إلى من بيده فيها الأمر والنهي.
    وركب أقطاى فى غضبة من أصحابه إلى الملك المعز بقلعة الجبل، فأخبره بإصهاره إلى الملك المظفر صاحب حماة، وطلب منه الإذن له بأن يسكن قلعة الجبل بعروسه من سلالة الملوك، فوجم (سكت عن الكلام لشدة الحزن) الملك المعز هنيهة، ثم قال : إنه سينظر في طلبه، فقال له أقطاى : "لا أرى موضعا للنظر فى هذا الطلب، وإن كنت إنما تريد استشارة شجر الدر، فما أحسبها تستنكف (تستكبر) أن تنرل عن سكنها فى قلعة الجبل لابنة ملك من بيت مواليها وأولياء نعمتها". فانقطع المعز ولم يجب.

    خطة شجر الدر للتخلص من أقطاى:

    ولما سمعت الملكة شجر الدر بالخبر أيقنت بالخطر، وأدركت أن الأمر جد كله ولا هزل فيه، وأن ابنة الملوك أتية لا ريب فيها، فنازلة بقلعة الجبل كما شاء أقطاى، إذا لم تعجل بالضرب على يده، وقد عرفت أنه قصد بذلك إرغام أنفها (إذلالها، وإخضاعها) ، وتحدى كبريائها وكسر نفسها، انتقاما منها؛ لأنها آثرت عز الدين أيبك عليه وكان قد أزعجها قبل ذلك تحدى أقطاى لسلطة الملك المعز، وتعديه على حقوقه، واستبداده بالأمور دونه حتى كأنه هو الملك، فأخذت تفكر في التخلص منه، ولكن هذه الطامة (الداهية) الأخيرة هى الطامة الكبرى، فلتظفر به قبل أن يظفر بها (يفوز بها، وينالها).
    فأشارت على زوجها ألا يعارض أقطاى فى شيء وأن يتظاهر بالرضا عن طلبه، وأوعزت إلى سيف الدين قطز، مملوك زوجها، أن يلقى فى أذن صديقه بيبرس أن الملكة قد عزمت على التحول من قصر القلعة وتركه للأميرة القادمة، ونفذت شجر الدر هذا التدبير بالفعل فجعلت تظل نهارها بقلعة الجبل، حتى إذا أمسى المساء، انتقلت مع جواريها وحاشيتها إلى قصر آخر، أسفل القلعة، فأوقدت فيه المصابيح، فلم يشك أقحطاى في أن شجر الدر إنما عجلت بإخلاء قلعة الجبل؛ لكيلا تأتي زوجته الأميرة إلا وهى في قصر آخر، فتخفف على نفسها بذلك معرة الخنوع (عار الذل، والخضوع) لإرادته، فاطمأن أقطاى إلى حاله واغتر بنفسه، واعتقد أن الأمور ستواتيه (ستطاوعه)، وأن الملك سيتم له.

    الملكة تحرض قطز على قتل أقطاى :

    وبعثت شجر الدر إلى مملوك زوجها فقالت له : "إني أريد أن أفي لك بوعدك، وأزوجك جلنار، ولكنى لا أحب أن يتم عرس وصيفتى الأثيرة (المفضلة) عندى في غير قلعة الجبل، وقد رأيت أننا أخليناها لذلك الذى لا يقدر عليه أحد فى مصر، ليسكنها مع زوجته!". فأدرك قطز أن الملكة تحرضه على قتل فارس الدين أقطاى، وتعده بإنجاز ما وعدت إذا هو خلصها من شره، فدار بخاطره أن الملكة ربما لم تماطله (تؤجله) وعدها إلى ذلك العهد إلا لتندبه (تدعوه) لمثل هذا العمل الخطير، وتطلب منه أن يقدم إليها رأس أقطاى مهرا لجلنار، وإنه لمهر كبير، ولكن جلنار أثمن من ذلك، وقد بدا من ظلم أقطاى، وبغيه على الناس وفساد أصحابه في البلاد ما يستحل به دمه، ويتقرب إلى الله بقتله، وكذلك قد رأى أستاذه الملك المعز لن يستقر له أمر، ولن يثبت له ملك حتى يزول أقطاى من الوجود.

    قطز يتكفل بقتل اقطاى:

    فأعلن قطز إلى الملكة وإلى أستاذه الملك المعز أنه كفيل (ضامن) بقتل أقطاى، فاتفق الثلاثة على أن يدعى أقطاى لمقابلة المعز فى القلعة، حتى إذا بلغ الدهليز برز له فقتله، وأشار المعز على قطز أن يختار جماعة ممن يثق بهم من مماليك المعز واشياعه ليساعدوه في مهمته الخطيرة، فقال قطز: "إننى أكفيكه وحدى". قال المعز: "إنه شديد القوة، كريه اللقاء يا قطز، ونحن بعد بحاجة إليك، ولئن أفلت من يدك ليكونن فيه هلاكنا". وما زال بقطز حتى رضى أن يعاونه اثنان اختارهما من مماليك المعز وهما بهادر، وسنجر الغتمى.

    قطز ينفذ خطة شجر الدر:

    وكان قطز وبيبرس لا يزالان صديقين إلى ذلك العهد، فكان أحدهما إذا أراد الخروج للصيد مع أصحابه دعا الآخر فخرج معهم، واتفق يوما على أن عزم بيبرس على الخروج للصيد، مع أصحابه فدعا قطز لمرافقته في غد ذلك اليوم، وعلم منه قطز أنه سيخرج مع جماعة كبيرة من أصحابه من كبار أشياع فارس الدين أقطاى، فرأى قطز أن يغتنم (ينتهز) فرصة غياب هؤلاء عن البلد لينفذ ما تعهد به من اغتيال أقطاى، فأظهر لبيبرس الموافقة على اقتراحه.
    ولكنه بعث إليه في صباح اليوم التالى من اعتذر له عن عدم الخروج بانحراف مزاجه ولما تأكد قطز من خروج بيبرس وجماعته دخل على أستاذه فأخبره أن الفرصة قد سنحت، فبعث الملك المعز إلى فارس الدين أقطاى يدعوه إليه؛ ليستشيره فى أمر مهم، وكان أقطاى قد اطمأن من جهته لما أظهره من موافقته ومصانعته (ملاينته، المراد منافقته)، ولما رأى من نزول شجر الدر عن قصرها بالقلعة، فلم يصغ إلى مماليكه الذين نصحوه ألا يجيب دعوة الملك المعز"، وقال لهم : "إنى لا أنتظر فى أمر كهذا حتى يرجع هؤلاء، ولكن هؤلاء يجب أن ينتظروا حتى أرجع".
    وركب أقطاى غير مكترث (مهتم، ومبالي، المضاد مهمل) بنصيحة مماليكه، فقالوا : "لا نتركك وحدك" وركبوا معه فعندما دخل من باب القلعة وصار إلى قاعة العواميد اغلق باب القلعة ومنع مماليكه من العبور معه، فأحس بالشر ووضع يده على مقبض سيفه، ومنعه كبرياؤه عن النكوص (الرجوع إلى الخلف) فمضى فى طريقه، فلقيه قطز وصاحباه فى الدهليز، فلما رآهم قال لهم بلهجة الآمر: "اذهبوا فافتحوا الباب لمماليكى". فقال قطز لصاحبيه : "اذهبا فافتحا لمماليكه"، فمر الرجلان، من جانبه حتى صارا خلفه فمضى به قطز قدما فى الدهليز فقال له : "أعطنى سيفك فلا ينبغى للملك أن يقابله أحد رعيته والسيف معه". فغضب أقطاى وصاح فى وجهه قابضا على سيفه : "أتجردنى من سيفى أيها المملوك القذر؟". فبدره قطز فطعن جنبه بخنجره وهو يقول له: "بل أجردك من حياتك، وأطهر البلاد من رجسك (فسادك) ".
    فثار اقطاى وحمل على قطز بسيفه واضعا يده الأخرى على فم الطعنة في جنبه، فسل قطز سيفه فلقيه به، وأراد الأخران ضرب أقطاى من خلفه فصاح بهما قطز: "دعاه يقتله المملوك القذر وحده لئلا يقول الناس قتله ثلاثة من مماليك المعز". فبقى قطز يواثبه، ويتقى ضرباته الهائلة يبغى بذلك أن تخور (تضعف، المضاد تقوى) قواه للطعنة التى فى جنبه وأقطاى يصيح : "يا ملعون أثبت لى" فيجيبه قطز يا زوج الأميرة "أثبث لنفسك"، حتى نزف أقطاى الدم ونهكته (جهدته، وغلبته) المواثبة، فخانته قدماه فوقع كالجمل البارك وما تكف يده عن الضرب بسيفه يمينا وشمالا وقطز أمامه ينظر إليه، وهو يقول لقطز فى صوت كالحشرجة (ترديد النفس فى الحلق) : ادن (اقترب، المضاد ابتعد) منى يا صديق بيبرس، ادن منى .
    وكانت الملكة شجر الدر تطل على المشهد من مقصورتها، والملك المعز يشرف من ديوانه، فنادت الملكة بصوت يسمعة أقطاى: "يا مغرور، دع بنت الملوك تنفعك"، فلما سمع صوتها اجتهد أن يرفع طرفه ليراها فوقع على ظهره وهو يقول: "يا خائنة !" ولم يقل بعدها شيئا!!.

    هروب مماليك أقطاى :

    ولما استبطأ مماليكه الذين على الباب خروجه، أيقنوا بأن المعز قضى على أستاذهم، فانطلقوا يذيعون خبره بين أصحابه حتى بلغ بيبرس وجماعته وهم فى الصيد فرجعوا مسرعين، وجمعوا أتباعهم فركبوا إلى قلعة الجبل فى سبعمائة فارس يتقدمهم بيبرس فوقفوا تحت القلعة يطلبون تسليم زعيمهم، فما راعهم إلا رأس أقطاى قد رمى به المعز إليهم وناداهم قائلا: "انجوا بأنفسكم قبل أن ينالكم ما نال رئيسكم".
    فأسقط فى أيدى القوم وأيقنوا أن المعز لم يجرؤ على ما فعل إلا وقد استعد لهم، فسرى فى قلوبهم الرعب، فانطلقوا متفرقين وخرجوا فى الليل من القاهرة، فمنهم من قصد الملك المغيث بالكرك ومنهم من سار إلى الملك الناصر بدمشق وفيهم بيبرس، ومنهم من أقام ببلاد الغور والبلقاء والقدس يقطع الطريق ويأكل بقائم سيفه، وجعل بيبرس من ذلك اليوم يقول : "لقد فعلها صديقى في، والله ليكونن من قتلاى" .

    مناقشة الفصل الحادي عشر من قصة وا إسلاماه

    ما الأسباب التي أدت قتل توران شاه ؟
    من الأسباب التي أدت قتل توران شاه : 1 - لم يعرف حق أولئك الأبطال الذين حموا بيضة الدين (أصوله، مصر) .
    2 - إبعاد الأمراء والأكابر من أهل الحل والعقد (النفوذ والسيطرة) وانهماكه في اللهو والشرب .
    3 - مطالبة شجرة الدر بما عندها وما ليس عندها من الأموال والجواهر وتوعدها بالقتل .
    (من أعمالكم سلط عليكم) إلى أي مدى ينطبق هذا القول على هذا السلطان الفاسد ؟
    لما طغى وبغى هذا المغرور غضب مماليك الصالح لشجرة الدر فعزموا على قتله وما هي إلا أيام حتى قتل على أيديهم بفارسكور وجلست شجرة الدر على أريكة الملك (العرش) بإجماع أمراء الصالحية وأعيان الدولة ونقش اسمها على سك النقود وتردد على المنابر .
    ما مصير لويس التاسع ؟
    جرت المفاوضات بين المندوب المصري و ملك فرنسا المعتقل على أن تسلم دمياط للمصريين و يعود الملك إلى بلده بعد أن يدفع نصف ما عليه من الفدية ومقدارها أربعمائة ألف دينار .
    ما موقف كل من الخليفة العباسي المستعصم بالله وأمراء الشام من تولية شجرة الدر؟
    أنكر الخليفة العباسي على الأمراء المماليك أن تتولى امرأة أمرهم وتملك مصر وقال : " إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسيِّر لكم رجلا ".
    - أما أمراء الشام فقد طمعوا في الهجوم على دمشق والاستيلاء عليها.
    وماذا كان رد فعل شجرة الدر؟
    رد فعل" شجرة الدر" تنازلت عن الحكم لقائد جيوشها الأمير عز الدين أيبك ووافقها الأمراء المماليك ولقبوه " بالملك المعز" وكانت موافقتهم من أجل ألا يخرج الأمر من أيديهم ويكونوا يداً واحدة في مواجهة الملك الناصر صلاح الدين (حاكم حلب) الذي توعد بالانتقام لقتل توران شاه.
    لماذا تولى عز الدين أيبك قيادة الجيش ؟
    بعد أن قوي نفوذه وعظم شأنه عند الملكة في الدفاع عن القصر السلطاني بالمنصورة وارتضته شجرة الدر واختاره الأمراء المماليك .
    (ثار حقد فارس الدين أقطاي على ما تم لغريمه أيبك) . فماذا فعل ؟
    عمل أقطاي على إفساد الأمر على أيبك فطالب بتولية أمير من البيت الأيوبي فأيده عامة الناس والأمراء والمماليك وجهروا باستحسان هذا الرأي وأخذ العامة في الشوارع يقولون: "ما نبغي مملوكًا يتولى علينا بل نريد سلطانًا من آل أيوب "..
    ثم اختار ومعه بعض المماليك الملك الأشرف موسى رغم صغر سنه (6 سنوات) وأقاموه سلطاناً شريكاً للملك (عز الدين أيبك) ورغم أنه لم يغير من نفوذه فقد طابت نفسه قليلاً ؛ لأن أيبك لن يستطيع الاستئثار (الانفراد ، الاختصاص) بالحكم .
    ما الذي فكر فيه عز الدين أيبك حتى يصرف عنه مؤامرات أقطاي غريمه ؟
    أراد صرفه عن مؤامراته ضده فأرسله قائداً للمماليك البحرية على رأس حملة لقتال الملك الناصر صاحب (حاكم) دمشق ؛ خوفاً من غزو مصر وتوجه أقطاي بألفي فارس إلى غزة وقاتله وانتصر وعاد أقوى مما كان .
    (إذا شاء سيدي أعارني قلبه وأعرته لساني .. ) . لمن الكلمة ؟ ولمن قالها ؟ ولماذا ؟
    الكلمة لقطز الذكي .. وقالها لأيبك الذي كان الحياء يمنعه من أن يفاتح السلطانة شجرة الدر برغبته في الزواج منها ، وأراد قطز أن يعبر بلسانه اللبق عن عواطف سيده وأستاذه عز الدين أيبك الذي يتمنى الزواج منها .
    وماذا كان هدف قطز من إلحاحه على سيده بهذا الزواج ؟
    من جهة : رؤية جُلَّنَار والسعادة بلقائها .
    - ومن جهة : يستريح أستاذه وينقضي الحزن عن السلطان .
    بمَ ردت شجرة الدر على طلب أقطاي بالزواج منها؟
    أخبرت شجرة الدر أقطاي أنها لا ترد طلبه ، ولكنها لا تريد أن تفكر في الزواج حتى ينتهي أمر الملك الناصر صاحب دمشق ، و تأمن من تهديده ، فاقتنع منها أقطاي بهذا الجواب ، وحسب ذلك وعداً منها بالقبول ، فاطمئن قلبه ، وجعل همه القضاء علي الناصر وجنوده .
    كيف أحسن قطز عرض سيده بالزواج من شجرة الدر ؟
    قال لها إن أستاذه بعث إليها بأمرين : إنجاز وعدكِ لمملوكه بالزواج من وصيفتك والآخر أن حبكِ لوصيفتكِ لا يجعلكِ تقدرين على فراقها ..
    فليتزوجها ويبقيا معاً في خدمتكِ وردت بلباقة بعد أن تورد وجهها خجلاً قائلة : ارجع إلى أستاذك وقل له : لا أستطيع القيام بعرس وجيش الناصر على حدود مصر .
    (من أجل المحبوبة أقاتل ولتهنأ يا قلب..) . إلى أي مدى يصدق القول على المحب ؟
    فهم عز الدين أن شجرة الدر اشترطت لزواجها أن يخلصها من الملك الناصر الذي حشد جيوشه مع بعض ملوك بني أيوب ومنهم الصالح إسماعيل فتوجه إليه وكانت الدائرة في بدايتها على جنود المصريين ولكن المصريين في النهاية انتصروا وعاد عز الدين أيبك مظفراً فزينت البلاد بأعلام النصر ، ونتيجة لخيانة الملك الصالح إسماعيل لدينه ووطنه فقد تم قتله خنقاً .
    طلب المملوكان بيبرس وقطز مطلباً مشابهاً من شجرة الدر بعد القضاء على أعدائها. فما هو ؟
    بيبرس طلب من شجرة الدر أن تنجز وعدها لعز الدين أقطاي وتتزوجه فحدثها عن بطولاته وانتصاراته وفروسيته ووقائعه ولم يحسن الحديث عن مشاعر أقطاي تجاه السلطانة .
    - أما قطز المحب الولهان فقد تخيل محبوبته جُلَّنَار في صورة السلطانة وتحدث بلسانه وقلب سيده عز الدين أيبك الذي مدحه بخلقه وعفته وأمانته وقوة حبه وخطرات نفسه وحنين فؤاده ورقة المحبوبة حسنة الخُلق والخِلقة الجميلة الرائعة الرقيقة الطاهرة الحسناء .
    ماذا كان رد فعل شجرة الدر من المتنافسين ؟
    رد فعل شجرة الدر من المتنافسين كانت في حيرة من أمرها : أتتزوج رجلاً يخضع لها (أيبك) أم رجلاً تعجب به لقوته وبطولته (أقطاي) ومال قلبها للأول عزالدين أيبك ولم تقطع بقبوله ورأت أن تعمل على إشعال نار الخصام بينهما وقالت لقطز رسول عز الدين : قل لأستاذك : إني لا أقبل نصف ملك فإذا صار ملكاً تزوجته .
    ما الذي فهمه عز الدين من قول السلطانة ؟
    فهم أنها تحرضه (تحثه ، تدفعه) على عزل السلطان الصغير والاستقلال بالملك فقبض على الملك الصغير وسجنه بالقلعة لينفرد بملك مصر .
    غضب أقطاي فكيف حاول أيبك أن يرضيه ؟ وما أثر ذلك على أقطاي ؟
    حاول أيبك أن يسترضي أقطاي فأغدق عليه الأموال فأقطعه (منح ، خصص له) الإسكندرية وكتب له بذلك طمعاً في أن يكف عن شره , ولكن أقطاي رأى في ذلك ضعفاً من أيبك وبداية لانتصاره فزاد طمعه وزاد أمله في الانتصار عليه .
    " تنافس أيبك وأقطاي علي الزواج من شجرة شجرة الدر " فإلي أيهما مالت ؟
    أشعلت شجرة الدر المنافسة بين الفارسين لتختار منهما الأنسب .. فوجدت في أيبك حباً صادقاً وتواضعاً ووجدت في أقطاي طموحاً إلي الحكم ففضلت أيبك ولكنها اشترطت عليه حتى تتزوج به أن يعزل " الملك الأشرف " ؛ لأنها لن تتزوج بنصف ملك وبالفعل تم عزل الملك الأشرف وتزوجت شجرة الدر من الملك المعز أيبك مما أثار أقطاي فأخذ ينشر الفساد في كل مكان ويقطع الطريق حتى يثبت عجز الملك عن إدارة البلاد وسياستها وأعلن أنه سيتزوج من ابنة الملك المظفر صاحب حماة وأنها ستنزل في قلعة الجبل بينما تترك شجرة الدر القلعة لابنة الملوك .
    (اسقط في يدي أقطاي وأنهار أمله ..) . ما معنى هذا ؟ وبم تصرف أقطاي ؟
    معناه : اندهش من زواج شجرة الدر من المعز (عز الدين أيبك) وكان يتوقع أن ترضى به وأدرك خداع السلطانة له فجمع أتباعه وجهر بمعارضة أوامر الملك المعز ووضع مقاليد السياسة في أيدي أتباعه .
    ما الذي أخاف شجرة الدر من أقطاي؟ وما الحيلة التي دبرتها لتتقي ذلك ؟
    لما أيقنت شجرة الدر بانتقام أقطاي ورأت فيه خطراً كبيراً عليها وعلى مُلك زوجها حيث كان أقطاي يتحداه , قررت أن تتخلص منه حماية لنفسها ولملك زوجها قبل أن يتخلص هو منهما.
    فأوعزت (أشارت ، ألمحت) لأيبك ألا يعارضه في شيء وأن يظهر له الرضا , ثم أوعزت لقطز أن يخبر صديقه بيبرس أن الملكة قررت النزول عن قلعة الجبل وتركها للأميرة القادمة , ونفذت شجرة الدر ذلك بالفعل فجعلت تظل نهارها هي والملك المعز في قصر القلعة فإذا أتي الليل نزلت بحاشيتها وجواريها إلى قصر أخر أسفل القلعة أضيئت فيه المصابيح .
    فلما رأى أقطاي ذلك ظن أن شجرة الدر قد عجلت بالنزول وإخلاء القلعة حتى لا تأتي زوجته الأميرة إلا وهي (شجرة الدر) في قصر آخر لتبعد عن نفسها معرة الخضوع لإرادته , فاطمأن وظن أن الملك سيتم له.
    مَنْ حرضته شجرة الدر لقتل أقطاي ؟ وما الثمن ؟
    حرضت قطز في مقابل زواجه من جُلَّنَار وأراد قطز الخلاص من أقطاي لظلمه وبغيه على الناس وفساد أصحابه وما يستحل به دمه إلا تقرباً إلى الله وأمده عز الدين أيبك بمملوكين هما : بهادر ، وسنجر الغتمي ليعاوناه في هذه المهمة.
    كيف تم قتل أقطاي على يد قطز ؟
    خرج بيبرس وأصحابه فأسرع قطز يخبر أستاذه بأن الوقت جاء لتنفيذ الخطة , فأرسل أيبك لأقطاي يطلب منه الحضور للقلعة حتى يستشيره في أمر هام , وكان أقطاي قد اطمأن لأيبك لما أظهره من موافقة على نزول شجرة الدر من القلعة , وقد نصحه مماليكه بأنه خدعة وأنه لابد أن ينتظر بيبرس وسنقر الأشقر وغيرهم من أصحابه حتى يعودوا من الصيد , فرفض قال إني لا انتظر حتى يرجع هؤلاء ولكن هؤلاء يجب أن ينتظروا حتى أرجع , وذهب دون اهتمام بنصيحة مماليكه.
    وركبوا معه خشية عليه , فما وصل القلعة ودخل إلى قاعة العواميد أغلق باب القلعة ومنع مماليكه من الدخول فأحس بالشر ومنعه كبريائه من النكوص (الرجوع) فمضى في طريقه ويده على مقبض سيفه , فلما رأى قطز وصاحباه قال لهم بلهجة الآمر : اذهبوا فافتحوا الباب لمماليكي . فأمر قطز صاحبيه بأن يذهبا ليفتحا الباب فمرا بجانب أقطاي حتى صارا خلفه فمضى به قطز حتى وصل الدهليز ثم قال له : أعطني سيفك فإنه لا يجب أن يدخل أحد رعيته على الملك ومعه سفيه , فقال أقطاي : أتجردني من سيفي أيها المملوك الحقير , فطعنه قطز بخنجره في جنبه وقال بل أجردك من حياتك وأطهر البلاد من رجسك (فسادك) .
    فثار أقطاي وبدأ يضرب قطز بسيفه واضعاً يده الأخرى على فم الطعنة , فسل (أخرج) قطز سيفه ليتقي ضربات أقطاي , ولما أراد الآخران ضرب أقطاي من الخلف منعهم قطز وقال : دعوا المملوك الحقير يقتله وحده حتى لا يقول الناس قتله ثلاثة من مماليك المعز.
    واستمر قطز يثب عليه ويتقي ضرباته منتظراً أن تخور (تضعف) قواه , وهو يقول يا ملعون اثبت لي , فيرد عليه قطز يا زوج الأميرة اثبت لنفسك , ثم خانته قدماه فسقط على الأرض ولم يستطع أن يقوم وهو يضرب يميناً وشمالاً وقطز أمامه ينظر إليه وهو يقول له ادنُ مني يا صديق بيبرس.
    " أعطني سيفك فلا ينبغي للملك أن يقابله أحد من رعيته والسيف معه " . من المتحدث ؟ وإلى من وجه الكلام ؟ وبم رد ؟
    المتحدث هو: قطز وقد وجه كلامه لأقطاي .
    - الذي قال له : " أتجردني من سيفي أيها المملوك القذر ".
    ماذا فعل المعز برأس أقطاي ؟
    رماها لبيبرس وجماعته فتفرقوا خائفين بعد أن قال لهم : (انجوا بأنفسكم قبل أن ينالكم ما نال رئيسكم) فسرى في قلوبهم الرعب وجعل بيبرس من ذلك اليوم يقول : (لقد فعلها صديقي في والله ليكوننّ من قتلاي) .

    ***

    وفي نهاية المطاف, مشاركتكم لهذه الصفحة مع أصدقائكم تدعمنا وتشجعنا على الاستمرار في نشر المزيد من العلم والمعرفة وبالمجان. ابتغاء مرضاة الله. وفقنا الله جميعا لكل خير.

    أحدث أقدم